محمد متولي الشعراوي

5854

تفسير الشعراوى

والبغى : أعلى مراتب الظلم ؛ لأن الحق سبحانه هو القائل : إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ . . ( 76 ) [ القصص ] ويعطينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صورة البغى الممثّلة في الاعتداء بالفساد على الأمر الصالح ، فيقول صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسرع الخير ثوابا : البرّ وصلة الرحم ، وأسرع الشر عقوبة : البغى وقطيعة الرحم » « 1 » . والحق سبحانه لا يؤخر عقاب البغى وقطيعة الرحم إلى الآخرة ، بل يعاقب عليهما في الدنيا ؛ حتى يتوازن المجتمع ؛ لأنك إن رأيت ظالما يحيا في رضا ورخاء ثم يموت بخير ، فكل من يراه ويعلم ظلمه ولم يجد له عقابا في الدنيا ، سوف يستشرى في الظلم . ولذلك تجد أن عقاب اللّه تعالى لمثل هذا الظالم في الدنيا وأن يرى الناس نهايته السيئة ، وحين يرى الناس ذلك يتعظون ؛ فلا يظلمون ، وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع . وإلا فلو ترك اللّه سبحانه الأمر لجزاء الآخرة ؛ لشقى المجتمع بمن لا يؤمنون بالآخرة ويحترفون البغى ؛ ولذلك يرى الناس عذابهم في الدنيا ، ثم يكون لهم موقعهم من النار في الآخرة . ويقول صلّى اللّه عليه وسلّم محذرا : « لا تبغ ، ولا تكن باغيا » « 2 » . فالباغي إنما يصنع خللا في توازن المجتمع . والذي يبغى إنما يأخذ حق الغير ، ليستمتع بناتج من غير كدّه وعلمه ، ويتحوّل إلى إنسان يحترف

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في سننه ( 4212 ) وابن عدي في الكامل ( 4 / 70 ) ط . دار الفكر ، والذهبي في ميزان الاعتدال ( ت 3831 ) من حديث عائشة ، كلاهما في ترجمة صالح بن موسى الطلحي ، وهو كوفي ضعيف . وقال ابن عدي : لا يتعمد الكذب . وسياق نص الحديث يؤخذ به . ( 2 ) أخرجه الحاكم في مستدركه على الصحيحين ( 2 / 338 ) عن أبي بكرة ، وقال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه . وأقره الذهبي .